طبيعة النظرية الفلسفية - محمود زيدان

مناهج البحث الفلسفي للدكتور محمود فهمي زيدان


وهل للفلسفة مناهج بحث؟

موضوع الكتاب مميز وفريد، وعلى الرغم من صغر حجمه الا انه مليء جداً بالمعلومات بطريقة بسيطة (ليست بساطة تسطّح الموضوع وانما تحافظ على عمقه) ويعطي نظرة شاملة للقارئ للمناهج المذكورة (وليست هي المناهج الوحيدة).


يطرح الدكتور محمد زيدان بدايةً عدة اسئلة:

  1. هل للفلسفة منهج واحد محدد للبحث الفلسفي؟
  2. قد لا يعرف طالب الفلسفة بوضوح منهج البحث، فهل غموض الفكرة هي نتيجة جهل طلاب الفلسفة ام ان الفكر الفلسفي يقتضيه؟
  3. هل تباين المناهج والافكار هو مرض يجب علاجه ام انه من طبيعة الفكر الفلسفي؟ 
  4. هل يمكن للفلسفة ان تكون علماً؟


يجيب زيدان، نعم للفلسفة مناهج بحث وليس منهجاً واحداً ومنها (وليست الوحيدة)

١- المنهج الفرضي

٢- المنهج التمثيلي 

٣- منهج الشك واليقين

٤- منهج الظواهر

٥- منهج التحليل 

٦- منهج التركيب



ولان اي منهج لعلم ما مرتبط بطبيعة موضوعاته، مهّد للإجابة عن هذه الاسئلة ببحث عن طبيعة النظرية الفلسفية.


ان اي نظرية فلسفية تُقدّم هي اجابة عن مشكلة فلسفية، والمشكلة الفلسفية موضوع غامض ومعقد ولكن جوهر الغموض هنا ليس ناجماً عن جهل كما في المشكلات التي تخص تفسير العالم الخارجي (في الفيزياء او الكيمياء مثلا) وانما نحن على علم كامل بمعطيات هذه المشكلة.

يقول رسل في كتابه مشكلات الفلسفة: "هدف الفلسفة البدء بشيء بسيط للغاية لا يستحق الذكر، والانتهاء بشيء في غاية الغرابة بحيث لا يصدقه احد". 

مثلا مشكلة الاستقراء، ارى الشمس تشرق كل يوم ولكن هل لدي سبب منطقي (بالمعنى الخاص لعلم المنطق) كي اقول ان الشمس ستشرق غداً؟ ولماذا اعتقد ان المستقبل سيماثل الماضي دائماً؟

شروق الشمس مألوف ولكن عندما نتساءل عن هذه المشكلة ننتهي بشيء صعب التصديق.


نأتي الان الى بنية النظرية الفلسفية


تتكون النظرية الفلسفية من عدد مترابط من الحجج تأكد وجود شيء ما او تدعم معنى ما.

وتتكون الحجة من قضايا في صورة مقدمات ونتائج ويجب ان تحتوي على الاقل على مقدمة تجريبية واحدة (لان النظرية الفلسفية مرتبطة بحياة الانسان والعالم الذي يعيش به).


في نظرية عن العلّية:

"هناك اطراد لبعض الحوادث" (تجريبية)

"كل الحوادث مطردة" (غير تجريبية)

القضية الثانية هنا غير تجريبية ولكن يجب على الفيلسوف ان يحللها حتى نعرف اساس قبولها.


ومن ثم يتألف المذهب الفلسفي من عدد من النظريات المتسقة وتكمل بعضها الاخر حتى تترابط كبناء متكامل، وتختص كل نظرية بمشكلة فلسفية معينة.

المذهب الفلسفي وجهة نظر نفسر بها ما امامنا من حوادث وظواهر، ومن هنا نقرر ان المذهب الفلسفي يقدم وجهة نظر جديدة عن العالم.

رؤية الاشياء الجديدة هي من شأن العلوم الطبيعية ومن ثم يضع الفلاسفة فروضا مختلفة تفسر كل منها ما نعرفه اساساً ولكن بوجه جديد.


خصائص النظرية الفلسفية:


  1. النظرية الفلسفية قبلية، بمعنى انها مستقلة عن التجربة فالتجربة لا تؤكدها ولا تنكرها
  2. وليست منطقية، بمعنى انها لا تحتاج لان تكون صورية بحتة او صادقة دائما او برهان صوري محكم، وهذا لانها تهدف لمزيد من الخبرة وفهم للواقع 


حسناً، اذا لم تكن النظرية الفلسفية قابلة للتحقق التجريبي وليست برهان صوري محكم فما هو معيار قبول المذهب الفلسفي؟

يجيب محمود زيدان رحمه الله باننا لا نقول عن النظرية الفلسفية انها صادقة ام لا بل نقول هل هي مقبولة ام لا بحكم انها وجهة نظر تفسيرية.


ولكن المذاهب الفلسفية عديدة، ومقومات الاقتناع عديدة والناس مختلفون في الحكم على تلك المذاهب.

ما سبب هذا الاختلاف؟

بدايةً المشكلة الفلسفية معقدة ومن شبه المستحيل على فيلسوف واحد ان يحيط بكل جوانبها وعناصرها، يتناول فيلسوف مشكلة من زاوية ما فيلاحظ فيلسوف اخر تقصيره في زوايا اخرى او يجد فجوة فيعدلها. 

ثانياً، تكون وجهة نظر الفيلسوف نتيجة عنصر شخصي وموضوعي.

العنصر الموضوعي هي بيئة الفيلسوف وعصره وجميع التيارات الفكرية الاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية السائدة في تلك الفترة، فإما ان تكون فلسفته تعكس مواقف عصره او ان يضيف هو الى عصره.

اما العنصر الشخصي فهو كما يسميه الفيلسوف البراغماتي وليم جيمس "المزاج الشخصي" وقال بشأنه أن تاريخ الفلسفة صراع بين الأمزجة الإنسانية، والمزاج الشخصي هي اتجاهات الانسان الفردية واهتماماته الخاصة فمثلاً المزاج العقلي هو اهتمام اقل بالحواس والخبرات الحسية والمزاج التجريبي اهتمام اكبر بالوقائع المتنوعة ويجعلها اساس معرفته ولكن لا فيلسوف يستغني عن احدهما تماماً وإنما مزيد من الاهتمام لزوايا مختلفة. 

ولا تسأل ما الذي يكوّن العنصر الشخصي ذلك لان الجواب ليس ممكناً.


هل يمكن للفلسفة أن تكون علماً؟ 

للعلم ثلاث مقوّمات اساسية

موضوعات مميزة عن غيره من العلوم، له منهج محدد، نتائج ياخذها الباحثون عمن سبقهم.

وللفلسفة موضوعات محددة تميزها عن غيرها، اما كونها لها مناهج مختلفة فهذا لان لكل مشكلة فلسفية منهجاً يلائمها.

واخيراً يوجد اتصال تاريخي بين الفلاسفة فيأخذ الفيلسوف ما وصل اليه من سبقه فيعدله او يطوره وما من فيلسوف يبدا من العدم.

Comments

Popular posts from this blog

مبرهنة غودل الأولى

مفهوم الصدق في البنى الرياضيّة والمنطقيّة

خرافة الميتافيزيقا - زكي نجيب محمود