خرافة الميتافيزيقا - زكي نجيب محمود
كتاب "خرافة الميتافيزيقا" كما اسماه زكي نجيب محمود لأول مرة - واني أعتب عليه لتغييره الاسم نتيجة لانتقادات عاطفية - عمل عظيم يقدم فيه المؤلف نقده للميتافيزيقا التأملية. لكن ما هي الميتافيزيقا التأملية؟ وهل هناك انواع للميتافيزيقا؟ ما هي الفلسفة اذا لم تكن ميتافيزيقية؟ لماذا نرفض الميتافيزيقا؟
يجاوب زكي على هذه الاسئلة ويسهب في الشرح واعطاء الامثلة والحجج.
الفئة المستهدفة من قبل المؤلف هي عامة الناس وهذا يتضح في مقدمة كتابه حيث يقول "وفي عصرنا هذا يسود استهتار عجيب بكل شيء، والذي يهمني في حياتنا هو التفكير والتعبير، فلا يشعر المتكلم بأنه مسؤول أن يجعل لقوله سنداً من الواقع تمسه الايادي وتراه الابصار، والمشكلة ان الارتجال هذا لم يقتصر على الجوانب السخيفة من حياتنا وإنما تعداها الى حياتنا العلمية والعملية".
:ويقدم اقتراحا لتغيير هذا الحال
هدف هذا الكتاب هو التشدد في الشروط المفروضة على المتكلم الجاد إذا تكلم بغية إيصال فكرة ما الى الاخرين، "نعم إن الشروط تضيق مجال القول إلى حد كبير لكن هذا ما يتطلبه الوضوح الصارم".
يذلل زكي اعقد النظريات الفلسفية والمنطقية والرياضية للقارئ في الفلسفة التحليلية للقارئ العربي ولكن ما يثير دهشتي -وحزني في ذات الوقت- هي التقييمات المهينة بحق هذا الكتاب والانتقادات التي لا تلبث أن تكون سوى تعبيراً عن مشاعرهم الذاتية لا عن الكتاب نفسه.
ومن اهم الانتقادات هي وصفه بالتكرار و"الرغي" ،ان من المهم معرفة ان زكي نجيب محمود هو فيلسوف تحليلي، لهذا تجد كتابه مليء بالامثلة والحجج التي تدعم فكرته الاساسية كما في البرهان الرياضي فمهما شرح وفرض من امثلة ومواقف فإنه سيصل لنفس النتيجة وهذا ليس تكراراً فمن يفهم الاختلاف بين كل حجة وأخرى سيرى تلك التفاصيل الصغيرة التي تضفي على كل خطوة معنى جديد حتى تصبح نظريته متكاملة مترابطة. نعم هو سيخبرك بنتيجة حججه في بداية كتابه واني كما رايت الانتقادات لم تكن سوى رفض للنتيجة منذ بادئ الامر ومن ثم فلا داعي لقراءة الحجج والرد عليها وانما يكتفي بتعبيرات ذاتية عن مشاعره اتجاه ما قرا لا عما قرأ.
في عالم لا ارى فيه من يعطي هذا الرجل حقه، ينتابني شعور غريب بالمسؤولية فلا املك الا ان احمل مزماره من بعده لأكمل معزوفته بألحان معاصرة.
اننا نريد للمفكر أن يتجنب الغموض والإبهام خصوصاً ذلك الذي ينتج من التركيبات اللغوية، ثم اننا نريد منه أن يبحث في مبررات لكل اعتقاداته مما يوجد امام الجميع لا امام عقله هو او عقول من يتفقون معه، اننا نريد له ان يبتعد قدر الإمكان عن ذاتية التفكير والتصديق الاعمى بأي فكرة كانت.
هذه المقالة هي عرض وتحليل لوجهة نظر زكي نجيب محمود ولهذا اكتفي بذكر مواقفه مع بعض التعديلات الشخصية بما يناسب التطورات الفلسفية من بعده، اما وجهات النظر المعاصرة فسنتحدث عنها في مقالات اخرى مثل موقف كريبكه وكواين ولكن لاتزال اغلبية المواقف المطروحة لها اصالتها وموقف قوي وان يكن طرأ عليها بعض التعديلات الطفيفة اما جوهر الفكرة فهو نفسه.
خرافة الميتافيزيقا
الفصل الاول: الفلسفة تحليل
يحدد المؤلف في هذا الفصل وظيفة الفلسفة، خصوصاً انه هناك الان خلط كبير بين الميتافيزيقا والفلسفة فعندما يسمع شخص ما كلمة "فلسفة" فإن اول ما سيخطر في ذهنه هو حديث عن معنى الحياة او ما شابه ذلك، ولهذا السبب تحديدا نختار بعناية ما نريده بالفلسفة وحتى نفرق بينها وبين الميتافيزيقا يسميها البعض "الفلسفة العلمية".
اعتاد علماء المنطق السابقين بالحكم على الجمل الخبرية (القضايا المنطقية) اما بالصدق او الكذب حتى جاء المناطقة المحدثين واضافوا حكما ثالثاً، هو ان يكون الكلام كلاما فارغا لا يحمل للسامع معنى.
١- العدد ٢ زوجي: صادقة
٢- العدد ٢ فردي: كاذبة
٣-العدد ٢ اسود: لا معنى للجملة
(سيتبيّن في الفصل السادس بشكل ادق لماذا لا تملك الجملة السابقة قيمة صدق او كذب في نظرية الانماط المنطقية)
كيف نتأكد من صدق او كذب جملة ما؟ هذا السؤال هو جوهر ما سيدور حوله كل الحديث عن المعنى
:هناك نوعان من الجمل حين يعود الموضوع لتحديد نوع صدق الجملة
١- الجمل التحليلية
٢- الجمل التركيبية
اما الاولى فهي الجمل التي يمكننا ان نتاكد من صدقها دون العودة الى الواقع مثل "٢+٢=٤" او "كل عازب هو غير متزوج" حيث تكون الجملة صادقة بسبب اصطلاحنا على معاني ألفاظها فحينما نحدد ما نعنيه بالعدد ٢ ونحدد ما نعنيه بعلامة + و= والعدد ٤ حينها يتضح ان قولنا لا يعدو ان يكون "أ=أ"
ثانياً، الجمل التركيبية هي تلك التي صدقها يتطلب دليل خارجياً حيث انه يتعدى حدود تعريفه كالقول:
الماء يتجمد في درجة حرارة 0 سيليزية
مفهوم الماء لا يحتوي في ذاته على معلومة درجة الحرارة التي يتجمد عندها وإنما نحن بحاجة للتجربة للتأكد من صدق الجملة السابقة.
على ضوء ما تم شرحه سابقاً، ماذا يكون حكمنا على تلك الجمل التي لا يمكننا التأكد من صحتها بإحدى الطريقتين؟ (الاستنباطية في التحليليّة والتجريبية في التركيبية)
يجيب زكي بأنها لا غير قابلة للنقاش ولذلك تكون بغير معنى، إذاً نفهم من هذا ان المعنى الذي يقصده ليس المعنى كما نفهمه في الاستعمال اليوميّ وانما المعنى هو إمكان صدق او كذب جملة ما.
فإذا لم تكن لدينا طريقة لتحديد صدق وكذب جملة ما فكيف نصدقها او نكذبها؟ الحديث عنها لا يجب ان يكون في اطار العلم، إذا اختلف اثنان على حادثة يمكننا التأكد من صدقها بالتجربة اذاً فالنقاش فيها جائز واذا اختلف اثنان على مسألة رياضية فالبرهان الرياضي يحل الخلاف فالنقاش جائز هنا ايضاً اما اذا لم يكن نقاشنا يحتوي على اي قيمة صدق او كذب فما هو المرجو من النقاش الا ان يكون مضيعة للوقت حيث لا حسم فيه ولا اتفاق.
"الجواب الذي لا يمكن التعبير عنه، سؤاله كذلك لا يمكن التعبير عنه فاللغز الذي يستحيل الجواب عنه ليس له وجود" - فتغنشتاين، رسالة منطقية فلسفية
يعطينا زكي أحد الأمثلة على مشكلة ميتافيزيقية لا تمتلك معنى:
بيركلي: الشيء لا يوجد الا وهو مدرك
التحليل: لا ارى في عالم الحس "الوجود" فكل ما اراه هي معطيات حسية كالالوان والروائح والملمس وغيرها لكن "الوجود" ليس من بينها. الحالة الوحيدة التي اختبرها هي الادراك فأنا اعرف الادراك لكني لا اعرف"الوجود" فكيف اتحدث عنه؟ ان قوله هذا لا يتعدى ان يكون "الشيء لا يدرك الا وهو مدرك" لان الادراك هو كل ما عرفناه عن الاشياء التي حولنا.
ان ما نريده للفلسفة هي ان تكون تحليلاً كما هو التحليل السابق، فهي لا تقول شيئاً عن العالم وإنما تحلل ما نقوله نحن البشر عن العالم لتوضّحه باستعمال المنطق والرياضيات وهو ما سنأتي اليه لاحقا. اما ما كان من فلسفة بمعناها الميتافيزيقي فلم تتقدم ولم تزل تناقش نفس المشكلات التي ناقشها اليونان الأقدمون اما العلم فغير ذلك فهو يبني على ما قاله السابقون ثم يمضي.
فلما اصبحت الفلسفة مجرد تحليل لغوي منطقي رياضي فقد تبدو فقدت الكثير من الجماهير، فيا لخيبة ذلك الطالب الذي ذهب لسماع محاضرة فيلسوف شهير ولم يجده يتحدث عن اسرار الكون والخلود ومعنى الحياة والموت كما كان يتمنى ويشتهي بل كان يحلل عبارات لغوية تبدو غاية في الوضوح مثل "الدجاجة تبيض" وما الى ذلك.
وتتجلى قيمة الوضوح في اقصائها لتلك الأفكار التي كانت تحتمي بغطاء الغموض فتوهم المرء بأنها تقول شيئا عظيما، فكم من فيلسوف يستمد قيمته من غموض عبارته لا رجحان فكرته، ولو انها صيغت في عبارة اكثر دقّة واتساقا لفقدت مافيها من قوة اقناع.
وظيفة الفيلسوف هي التحليل لا الاخبار عما هنالك في العالم فهذه وظيفة العلم التجريبي، ويمكن بل غالباً ما يكون العالِم هو ذاته من يحلل الافكار فيكون بهذا فيلسوفاً وعالماً بنفس الوقت فنيوتن كان فيلسوفاً حين حاول تحديد معنى كلمة "كتلة" وعالم الرياضيات رسل حين حدد كلمة "العدد".
ان تحديد المعاني ليست هي مهمة العلوم التجريبية فالعلوم تاخذها كنقطة انطلاق فلا تناقشها اساساً وانما تاخذ ما يستتبع منها، ولكن ضرورة المعرفة الدقيقة تكمن في استيعابنا الاعمق للمفاهيم وبالتالي تساعدنا بالسير في الطريق الذي نريده للعلم.
الفصل الثاني: كانْت وفلسفته النقدية
يخصص زكي فصلاً كاملاً لكنْت لأهمية هذا الفيلسوف واعتباره فيلسوفاً تحليلياً بحتاً ففلسفته كلها هي تحليل، يتضح هذا من اسماء مؤلفاته (نقد العقل المحض، نقد العقل العملي، نقد ملكة الحكم) ما توحي اليه كلمة "نقد" هي تحليل الاسس التي يقوم عليها هذا الشيء او ذاك.
يعرض الكاتب شرحاً موجزاً عن الفروض المتضمنة حتى يعطي للقارئ فهماً اعمق فكرة اللتحليل.
كل جملة نقولها غالباً تتضمن فروض متضمنة فيها تكون اما اسئلة القاها الشخص على نفسه او هي اجابة على سؤال ما القاه شخص آخر:
الساعة الان هي الساعة العاشرة
الفرض: (ما الساعة الآن؟)
الفرض المتضمن في الفرض الاول:(الساعة تقيس الزمن)
هناك فرض نسبي وفرض مطلق، الفروض النسبية هي تلك التي تتضمن فرض آخر بداخلها والمطلقة هي الفرض الاول الذي يكون متضمناً لبقية الفروض ويعتمد كنقطة ابتداء كفرض السببية مثلاً.
فلو كانت الفلسفة مهمتها التحليل فإن تحليل العبارات والوصول الى الفروض المتضمنة فيها هي الواجب الاول للفيلسوف.
إن الانسان في تفكيره العابر لا يدرك أن ما يقوله من عبارات تبدو بسيطة منطوية على فروض متضمنة فيأخذها كما هي دون علمه بما يجري في عقله من افتراضات قد تكون خطيرة او غير مبررة وقد تكون مبررة لكنه لم يبررها هو وإنما يأخذها جاهزة.
ومن المغالطات ادماج عدة فروض متضمنة في سؤال واحد:
هل توقفت عن ضرب زوجتك؟
(١) هل لك زوجة؟ (٢) هل تعودت على ضربها؟ (٣) هل تنوي الاقلاع عن ذلك؟ (٤) هل بدات في تنفيذ تلك الفكرة؟
من المهم ترتيب الاسئلة فلا يمكن الاجابة على السؤال ككل اذا اختلت احد الشروط المتضمنة في الفروض فإني لن اتمكن من ان اجاوب على السؤال اذا لم تكن عندي زوجة او اذا لم اكن اضربها بتاتا فإن السؤال ككل مغالطة.
وجد كنْت ان الرياضيات وعلم الطبيعة (الفيزياء) تقدما لان اسسهما صحيحة اما الميتافيزيقا متعثرة الخطى لأن اساسها ضعيف فحاول أن يحلل أسس الرياضة وعلم الطبيعة عله يجد اساسا للميتافيزيقا.
"اما الميتافيزيقا فلم يتسن لها الحظ لتبدأ سيرها في طريق العلم بل هي اشبه بميدان قتال لم يكسب فيه احد شبرا واحداً، هذا يدل على ان كل المحاولات حتى الان هي تخبط عشوائي". -كْنت، نقد العقل المحض
بعد تفحصه لتاريخ الرياضة وعلم الطبيعة يقول كنْت بأن سبب التقدم هو السؤال عن الاسس التي ينبني عليها ذلك العلم وما يترتب منها من نتائج فيقول:
"إن العقل لا يدرك في الاشياء الا ما انتجه هو وفق خطة من وضعه…فلابد للعقل ان يشق طريقه بنفسه من مبادئ يقيمها. فالملاحظات العابرة التي لا تتم عبر خطة مدبرة يستحيل ان تنتهي إلى قانون ضروري". من كتابه نقد العقل المحض
اتخذ كنْت من كتابه اداة للكشف عن طريق سويّ للميتافيزيقا، فاستغرق كتابه كله في تفصيل القول في الرياضة وعلم الطبيعة (كان هو ذاته معلما لعلم الطبيعة) ولما سُئل في نهاية الامر اين هي الميتافيزيقا في هذا كله؟ اجاب انها هي هذا التحليل نفسه، وجد ان النقد نفسه هو الميتافيزيقا التي ارادها وهذا هو بيت القصيد.
ويقول في مواضيع الميتافيزيقا (الله،الخلود،الحرية) انه لا يمكن للانسان ان يجيب عنها دون ان يقع في تناقضات تنتج من عدم وجود اسس معرفية مشروعة يبني عليها الانسان معرفته عنها.
الفلسفة النقدية لا تقوم بدور المشرعن عكس الفلسفة الدوغمائية، فنرى ديكارت مثلا يبدا بافتراض مشروعية العقل وصدق احكامه ثم يرتب مايلزم عنها من نتائج اما الفيلسوف التحليلي فيأخذ ماهو موجود ويوضحه لا اكثر ولا يبرهن على صدقه ولكنه يكشف عن وجود فروض متضمنة فهي لا تقوم بالحكم على شيء ما وإنما تتعقب التحليل بعد التحليل.
الفصل الثالث: الميتافيزيقا المرفوضة
ماذا نقصد بالميتافيزيقيا حين نرفضها؟ ماهو ذلك الذي نرفضه؟
هناك نوعان للتفكير الميتافيزيقي:
١- ميتافيزيقيا تأمليّة، تبحث في القيم المطلقة مثل الكون والحياة والوجود والجمال والاخلاق. يسميها ارسطو العلم الاول.
٢- ميتافيزيقيا نقديّة، تبحث في الاصول المنطقية لما هو موجود وتبيين مدى مشروعية الافكار: هل التركيب متسق الاجزاء؟ هل يحتوي على تناقض مستتر؟ هل يمكن المقابلة بينها وبين العالم؟
والنوع الاول هو المرفوض حيث لا توجد هناك طريقة للحصول على قيم صدق جمله وعباراته سوى شعورنا الشخصي حولها فنحن بالتأكيد سنرفض "الشر غاية الوجود" ونقبل "الخير غاية الوجود" لكن كلاهما يمتلكان نفس القيمة في عدم امكانية الصدق، وهذه العبارات كلها نسبيّة تعود إلى الشخص الناظر للموقف وثقافته وافكاره.
ان وصف هذه الأفكار بالنسبية ليس إنكاراً لها او لأهميتها ولكن وصفاً لطبيعتها الغير حتمية الفضفاضة لهذا نخرجها من مجالنا العلمي.
الجمل الميتافيزيقية المرفوضة هي تلك التي ليست تتحدث عن جمل تحليلية او تركيبية فلا يمكننا معرفة ما تتحدث عنه، وتنتج هذه الجمل عبارات خالية من قيمة صدق (فتكون خالية من المعنى) اما مصدر المشكلة فهو لغويّ حيث إذ حللنا هذه العبارات ادركنا اننا لا نتحدث عن شيء.
يحلل زكي بعض العبارات الميتافيزيقية لإيضاح المشكلة فيها:
"كل شيء في هذا العالم يحتوي على ذات و وجود"
بدايةً، هناك اسماء لأشياء وهناك ألفاظ بنائية لا تشير الى شيء وانما تشير الى علاقات
الاسماء الشيئية:
شيء ، العالم ، ذات ، وجود
الالفاظ البنائية:
كل ، في ، هذا ، يحتوي على
لنأخذ الاسماء واحدة تلو الاخرى ونرى كيف ستصبح العبارة ككل في نهاية الامر
شيء، ليس هناك في العالم ما نختبره ك"شيء" معزول عن كل الصفات الحسيّة فهذا الاسم لا يميّز شيئا البتّة فلا يعدو ان يكون رمزاً مجهولاً كالرمز "س" حيث يمكن ان تكون س اي شيء.
فتصبح الجملة "كل س في هذا العالم له ذات و وجود"
لنأخذ كلمة "ذات"، ما هي الحالات الممكنة لهذا اللفظ؟ فإذا سألتك عن ذات "احمد" واجبتني بأنها جسده وصوته وكلماته والخ فإنك حينها لم تقل شيئا عن "أحمد" الا انك وصفته فيكون حديثك "احمد هو احمد". اما اذا كنت تقصد بالذات شيء غير محسوس فإنك هنا تتجاوز حدود معرفتنا البشرية فلا يمكننا ايجاد قيمة ل"س" في العالم الحسي تملئ شروط اللفظة "ذات" حيث هي لا توجد في العالم اساسا.
ثم ننتقل إلى الكلمة الاخيرة "وجود"، نعتمد عادة في الحكم على هذه اللفظة الإطار المحدد المستخدم. فمثلا "هل الإلكترونات موجودة في الذرة التي اراها؟" هنا نستطيع الحكم على هذه الجملة اما اذا الحديث في إطار مطلق فلا يمكن التحقق من صدقه.
لا نختبر الاشياء دون صفاتها الحسيّة، فإن تحدثت عن وجود شيء ما لكي احدده علي تحديد صفاته الحسيّة اما اذا تحدثت عن وجود مطلق خالي من الصفات فلا يعدو قولي ان يكون "س موجود".
فتصبح جملتنا غاية في الابهام والغموض ولا تدل على شيء يمكننا معرفته.
السبب الرئيسي في هذه المشاكل الوهمية هي فكرة ان لكل الكلمات مدلولات خارجية وإن لم يكن المدلول في العالم الحسي فهو في عالم آخر وراءه، ونعطي مثالاً على هذا الخلط:
الجامعة، عندما اتحدث عن "الجامعة" فأن هذه اللفظة مدلولها ينحل إلى عدة ألفاظ أخرى فالجامعة تدل على مجموعة مؤسسات تعليمية معيّنة، فلا يوجد شيء واحد اسمه "الجامعة" ولكنها فئة بداخلها مجموعة معيّنة تنطبق عليها جميعا صفات معيّنة إذ انني لن ارى شيئاً في العالم الخارجي يكون هو ذاته "الجامعة" ولكن سأرى مجموعة مبانٍ تسمى الكليات وهذه كلها تسمى جامعة. إذاً لا يمكنني اتحدث عن "الجامعة" بمعزل عن مدلولاته في العالم الخارجي وهذا هو ما نرمي إليه، فإن لاحظنا من حولنا اننا قد نتحدث عن العديد من الالفاظ وكأنها اشياء بذاتها وبذلك نكون نتخيل -ضمنياً- وجوداً كنا في غنى عنه من الاساس.
الفصل الرابع: نسبية الخير والجمال
إذا كنت أرى وردة ما وقلت عنها انها وردة جميلة، فإن ما اراه هو بقعة لون وشكل وتركيب كيميائي معيّن ولكنني لا أرى عنصراً في الوردة هو بذاته "الجمال" والأصح ان أقول انني كنت اصف شعوري اتجاه الوردة ولم اكن اصف الوردة فصفة الجمال ليست مما يوجد في الوردة بشكل موضوعي.
إن قيم الخير والجمال هي مجرد شعور ذاتي عند الانسان نحو الشيء وليست هذه الصفة كائنة في عالمنا الواقعي، فيمكننا التعبير عن هذا الموقف بهذه الجملة "س انسان و س يشعر بأن هذه الوردة جميلة" ولكن لا يمكننا ان نقول "س وردة و س جميلة" فهنا لا توجد طريقة للتأكيد على "س جميلة"
وصفنا لهذه القيم بأنها بلا معنى فهذا في سياق الوصف وليس في سياق الاستعمال فنحن بحاجة يوميّة ملحّة لهذه القيم ولكننا نتحدث عنها في سياق معياريّ وليس سياقاً وصفياً، فمن الناحية المعيارية يمكننا الحديث عنها حيث تكون العبارة مجرد تحصيل حاصل ولا تخبرنا عن الواقع شيئا كأن نقول مثلا:
ص هي "السعادة" وس هي "مساعدة الاخرين". من ثم فأن:
"س هي وسيلة ص، إذا كانت س مؤدية إلى ص فهي خير" وهكذا نكون حددنا قيمة خير ل"س" دون ان نكون وقعنا في دور الحديث الغير المشروع عن الواقع.
الفصل الخامس: التحليل عند مور
يستعرض في هذا الفصل فلسفة مور في الفهم المشترك "common sense" والتحليل اللغوي وسأقتصر على تحليل اللغة.
التحليل اللغوي يكون توضيحاً منطقياً يساعدنا على الكشف عن الغموض والمشاكل الزائفة، احدى شروط التحليل المنطقي هي التكافؤ المنطقي بين الجمل بمعنى ان تكون الجملة الناتجة من التحليل تساوي منطقياً الجملة التي بدأنا بها ولا تتغير قيم صدقهما.
مثلاً، كلمة "أخ" تنحل إلى "ذكر" و "من اصل مشترك" وهكذا.
التحليل المنطقي لمشكلة اثارها افلاطون:
ما دام اجتماع الاضداد في شيء معين ممكن فإن هذا الشيء موجود وغير موجود في وقت واحد فهو متغير وليس حقيقة ثابتة.
مثلا، بطيخة صغيرة (مقارنة بالطبيخ) وهي بنفس الوقت كبيرة (مقارنة ببرتقالة) البطيخة هنا كبيرة وصغيرة بنفس الوقت.
المسألة ليست بتلك التعقيد عندما نفهم أن المشكلة ليست في البطيخ فالبطيخ ليست فيه صفة "الكبر" و"الصغر" وانما هذه مجرّد علاقات تحدد علاقات بمجموعة إسناد معيّنة. فالعلاقات لا تدل على شيء في ذاتها وإنما تربط الالفاظ في بناء واحد "اكبر من…" و"اصغر من…" و"بين" و"فوق" كل هذه هي علاقات وليست هي بأشياء فصفة الكبر ليست صفة في ذاتها موجودة فلا نستطيع ان نقول عن شيء انه كبير دون ان نقارنه بشيء غيره وهكذا.
تحليل الاسماء الكلية:
"تركيا حاربت اليونان"
قد يبدو واضحاً هنا ما المقصود، لكن بإمعان التفكير في المسألة فإن تركيا ليست هي من تحارب وإنما الجيش، وما هو مدلول الجيش؟ عند تحليل الوحدات اللغوية لهذه اللفظة سنصل في النهاية إلى "الافراد" في الجيش (س ١،س ٢، س ٣،…،س ن)
إن استخدام الاسماء للإشارة الى اشياء ليست بأشياء قد تكون له نتائج خطيرة على الافراد فعندما نجعل "الدولة" كائنا اهم واعلى من الافراد فبالتالي لا يكون للفرد حق في مناهضتها.
الفصل السادس: التحليل عند رسل
في هذا الفصل يعرض زكي النظريات المنطقية للفيلسوف البريطاني برتراند راسل، النظرية الوصفية، نظرية الفئات، نظرية الانماط المنطقية.
١- العبارات الوصفية:
الاسماء هي عبارات وصفية اي ما هي الا دوال رياضيّة لا تصدق ولا تكذب الا بعد التعويض بقيمة المتغير في الدالة وهناك نوعان للعبارات الوصفية
أ- عبارات وصفية عامة، قد تكون كلمة واحدة او اكثر لكنها تدل على عدد كبير من الافراد من جنس واحد مثل "رجل" و "جبل من ذهب" و"رئيس جمهورية"
ونترجمها الى الصورة المنطقية بهذه الطريقة
"جبل من ذهب"
(يوجد على الاقل س) حيث (س جبل و س ذهبي)
"رجل"
(يوجد على الاقل س) حيث (س انسان و س ذكر)
لا تصف هذه الاسماء اشياء فردية وإنما تشير إلى صفات معينة وقد يكون او لا يكون هنالك ما تشير إليه في العالم الحسي ممن يصدق عليهم الوصف.
لن يكون للقضية قيمة صدق حتى نعوض س بفرد جزئي محسوس في العالم.
من الجدير بالذكر كذلك ان اسماء العلم في اللغة اليومية هي كذلك عبارات وصفية مثل "احمد" فقد استطيع ان اعطي جملة بإسم احمد وبأوصاف لا تصدق على احد في العالم الحسي فتكون بذلك العبارة خالية من قيمة الصدق او خالية من المعنى.
يحل هذا التحليل مشكلة الوجود الضمني التي نتجت من الظن بأن القدرة على التفكير بشيء ما تعني وجوداً عقلياً له على الاقل:
مينونج: هناك كائنات موجودة وجودا حقيقيا مثل "الانسان" فنحن نراها ونعرفها
وهناك كائنات ممكنة الوجود مثل "التنين" فنحن لا نراها في العالم الواقع لكننا نستطيع ان نفكر فيها ونتخيلها فتكون بذلك موجودة وجودا ضمنياً.
وهناك كائنات يستحيل منطقياً ان توجد مثل "المربع الدائري" و"الأعزب المتزوج".
باستخدام التحليل الوصفي للعبارات نستدل على ان هذه الكائنات ليست موجودة فنحن لا نتخيل وجود الكائنات ولكننا نتخيل اوصاف معيّنة جمعناها من معطيات عالمنا الحسيّ وهذه الاوصاف قد تصدق او لا تصدق على افراد جزئية فلا نضطر ان نقول بوجود "كائنات ممكنة الوجود".
اهمية هذا التحليل انه يوضح توضيحا منطقياً كيف ان الاسماء ليست بأشياء يمكننا الحديث عن وجودها وإنما نستبدل الحديث عنها بالحديث عن افراد في العالم الحسي.
ب- الاوصاف الخاصة، هي تلك العبارات التي تشير إلى فرد واحد بذاته مثل "مؤلف كتاب الايام".
اشرنا سابقا الى ان اسماء العلم في اللغة اليومية هي اوصاف عامة لانها قد تنطبق على العديد من الناس اما اسم العلم عند راسل فهو اسم يشير إلى فرد واحد في العالم الحسي وهناك اسمان فقط بهذا الاستعمال هما "هذا" و"ذاك" حيث انهما عندما نستعملهما فاننا نكون نشير الى شيء بذاته في العالم بشكل مباشر نختبره حسيّا فلا يمكن ان يكون الشيء الذي اشير إليه في لحظة ما ب"هذا" ان يسمي شيئين في نفس اللحظة.
تحلل الأوصاف الخاصة عادة الى ثلاث جمل
"مؤلف كتاب الايام اسمه طه حسين"
١- س واحد على الاقل ألف كتاب الايام
٢- س واحد على الاكثر ألف كتاب الايام
٣- أياً كان مؤلف كتاب الايام فإن اسمه هو طه حسين
(يوجد على الاقل س) حيث ( س مؤلف كتاب الايام • اذا كان ص مؤلف كتاب الايام فإن ص=س • س اسمه طه حسين)
ملاحظة مهمة، لا يمكن الحديث في جملة منطقية عن شيء ما دون ذكر احدى صفاته على الاقل فكما ذكرنا سابقاً اننا لا ندرك الاشياء ادراكاً خالصاً وانما ندرك صفات الاشياء فيجب ان نتحدث عن صفات الاشياء في كل مرة نتحدث فيها عن شيء ما.
٢- نظرية الفئات:
الفئة هي مجموعة تحتوي على اعضاء فنقول مثلا فئة "سكان العاصمة مسقط"، يعامل رسل الفئات بنفس الطريقة التي عامل بها الاسماء فيقول ان الفئات هي رمز ناقص (اي دوال رياضية) ويقول ان اسم الفئة ينقسم لقسمين:
١- الماصدق extension ٢- المفهوم Intension
الماصدق هو "ما يصدق عليه…" فعندما نتحدث مثلا عن فئة الطلاب في مدرسة ما فإن طلاب المدرسة ذاتهم هم ماصدقات تلك المدرسة حيث هم من يصدق عليهم القول بطلاب تلك المدرسة، الماصدق هي قيمة عددية تعدد افراد الفئة.
اما المفهوم فهو الصفة المشتركة بين كل افراد تلك الفئة فيكون المفهوم في المثال السابق "س طالب في المدرسة الفلانية"
ولمزيد من الايضاح نعطي مثالاً اخر:
الفئة: (٢،٤،٦،٨)
ماصدق الفئة: "٢" ، "٤" ، "٦" ، "٨"
مفهوم الفئة: "عدد زوجي اكبر من صفر واصغر من عشر"
ويجمع رسل بين الماصدق والمفهوم في جعل اسماء الفئات دوال رياضية:
"س عدد زوجي اكبر من صفر وأصغر من عشرة"
حيث ستكون س هي الممثلة للماصدقات فكل قيمة ل"س" تجعل العبارة صادقة إذاً هي احد الماصدقات.
٣- نظرية الانماط المنطقية:
رسل نفسه اشار الى ان هذه النظرية لا تزال غامضة ولكن هذا لا يقلل ابدا من الاهمية الملحة لمناقشتها وهي بحاجة الى اجتهاد المناطقة اجتهاداً كبيراً فيها.
خلاصة النظرية هي البحث عن المدى المشروع للدالة الرياضية حيث لا تعطينا قيمة س جملة لا معنى لها، فهناك ثلاث حالات للدالة:
د(س): س انسان
د(العقاد): العقاد انسان، جملة صادقة
د(الكلب): الكلب انسان، جملة كاذبة (على اعتبار ان الكلب المشار إليه هنا هو فرد وليس عبارة وصفية)
د(الفضيلة): الفضيلة انسان، هذه الجملة تبدو غير منطقية فكيف نصف الفضيلة بوصف نطلقه على فرد وهي ليست فرداً؟
ان نظرية الانماط تحاول الابتعاد قدر الامكان عن الوقوع في هذه الاخطاء التي تعطينا جمل بلا قيمة صدق، فيعطينا رسل قوانين لتجنب هذه الحالة.
يرتب رسل الفئات حسب المستويات فهناك
أ- افراد جزئية، وهي اشياء بذاتها في العالم الواقعي (أشير الى رجل) "هذا الرجل"
ب- فئات(١)، هذه الفئات تتحدث عن الافراد وتجمعهم بصفات مشتركة مثال "الانسان"
ج-فئات(٢)، هذه فئة الفئات اي تتحدث عن فئات لا عن افراد "الحشرات كثيرة": فلا يمكننا ان نقول عن فرد بأنه "كثير"
د-فئات(٣)، وهذه فئة فئة الفئات وتصنف فئات الفئات فمثلا "الجامعة" تنحل الى كليات وتخصصات وغيره
وهكذا يستمر التصنيف، انه لا يتوقف عند هذا ولكن نكتفي به.
الافراد الجزئية هنا ليست بالضرورة افراد في العالم الحسي ولكن يعتمد اختيارنا لما هو فرد على سياق الحديث:
"ارسلت الجامعة خطاباً الى الجهة المعنية" هنا الجامعة جاءت بنمط الفرد.
"يدرس في الجامعة ٢٠ الف طالب" الجامعة هنا هي فئة.
عندما نحدد ما هو فرد وما هي فئة لا يمكننا تغيير النمط في منتصف الحديث لان هذا سيبب اشكالا يفضي الى تلك النتيجة غير المرغوبة.
يجب ملء متغير كل نمط بما هو ادنى منه فالفئة(١) يعوض متغيرها بأفراد لا فئات والفئة(٢) يعوض متغيرها بفئات(١) لا فئات(٣) او (٢).
إن من اهم الاخطاء هي اعتبار دالة القضية قيمة لمتغيرها:
افرض امامي صحيفة باللغة الانجليزية كتب عليها "كل جمل هذه الصحيفة باللغة الانجليزية" فإذا قال احد ان هذه الجملة ليست بالانجليزية يكون حينها عوض متغير الدالة بالدالة نفسها فكأنه يفعل التالي:
د(س): لكل س، اذا كانت س جملة في هذه الصحيفة فإن س باللغة الانجليزية
فإذا تحدثت بالدالة عن الدالة نفسها اصبحت
لكل (لكل س، اذا كانت س جملة في هذه الصحيفة فإن س باللغة الانجليزية ) اذا كانت س جملة في هذه الصحيفة فإن س باللغة الانجليزية
فهنا ينتج كلام غريب حيث اننا يجب ان نعوض الفئة(١) بأفراد لا بفئات لانها تعميم على الجمل وليست هي ذاتها من ضمن تلك الجمل التي تتحدث عنها.
لهذا السبب ذاته الحديث عن "الوجود" ككل مرة واحدة هو حديث غير مشروع حيث هي فئة كل الفئات فلا يمكننا ان نعوض عن متغيرها بفئة هي ذاتها اكبر منها.
الفصل السابع: التحليل عند كارناب
"إن جميع من يشاركنا وجهة نظرنا المعادية للميتافيزيقا يتبين له ان جميع المشكلات الفلسفية بمعناها الحقيقي إن هي الا تحليلات لتركيبات لغوية" - كارناب
إن ابرز ما أداه كارناب في التحليل هو اشتغاله بالسيميائية semiotics وتنقسم لثلاثة اقسام:
١- التداولية pragmatics
٢- الدلالة semantics
٣- النحو syntax
يفرّق كارناب بين الدراسة الوصفية للغة ما والدراسة المجرّدة للغة عموماً فالدراسة الوصفية تكون عملا تجريبياً حيث يحلل الباحث طريقة حديث الناس الذين يتحدثون تلك اللغة اما المجرّدة فهي عمل منطقي خالص يهتم بدراسة كل انواع الارتباطات بغض النظر عن لغة بعينها وهي ما اشتغل به كارناب.
أ- الدلالة عند كارناب
هناك طريقتان للحديث بلغة ما
١- لغة الاشياء object-language
٢- اللغة الفوقيّة meta-language
الاولى هي تلك التي نتحدث بها عن الاشياء كما نستخدمها غالباً مثلاً "الكتاب على الطاولة"
والثانية هي لغة تتحدث عن لغة لا عن اسماء لاشياء، كأن تقول "الالفاظ في اللغة هي اسماء وافعال" تتحدث عن الفاظ اللغة لا عن الفاظ تشير لاشياء.
لغتنا العادية قد تستخدم كإحدى النوعين حسب السياق فإذا تحدثت عن شيء ما بلغتي العادية "ذهبت إلى الجامعة" تكون لغتي هنا لغة اشياء.
اما اذا تحدثت بلغتي عن لغة اخرى "كلمة hello بالانجليزية تحتوي على خمس حروف" كانت لغتي العربية هي اللغة الفوقيّة وهكذا.
أقسام الاشياء المسمّاة ورموزها:
١- س ١، س ٢، س ٣ … اسماء أفراد
٢- ص ١، ص ٢، ص ٣، … اسماء صفات
٣- ع ١، ع ٢، ع ٣، … اسماء علاقات
بعد تحديد الرموز تمهّد الطريق لوضع قواعد لصدق الجمل المختلفة.
"(ص ١) س ١": الفرد س١ موصوف بالصفة ص١، تكون الجملة صادقة إذا كان س١ يتصف بالصفة ص١ فعلا في العالم الحسيّ.
الصدق والكذب هنا هي اشياء زائدة لا توجد في الواقع ولكن نستخدمها لتحديد تطابق الجمل مع الواقع، فإذا كنا نتحدث عن الفاظ وحدها فلا حاجة لنا بالصدق او الكذب.
ب- التركيب المنطقي عند كارناب
١- قواعد التكوين: التركيب اللغوي للجملة من ناحية رموزها
٢- قواعد التحويل (او الاستدلال): اشتقاق الجمل من جمل اخرى
(١) قواعد تكوين بسيطة، كيف ترتبط الرموز ببعضها:
س: فرد ، ص: صفة ، ع: علاقة ، م:فرد
(ص)س: س يتصف بـ ص
س ع م: س مرتبط بعلاقة ع بـ م
الافراد تتصف بالصفات والافراد تربط بعلاقات بالافراد.
قواعد تكوين مركبة:
روابط منطقية في التكوين "او" ، "و" ، "إذا…فإن"
إذا (ص)س فإن (ح)س: إذا اتصف س بـ ص فإنه يتصف كذلك بـ ح
(ص)س و (ح)س: س يتصف بـ ص و ح معاً
(٢) قواعد التحويل:
(أ) إما س أو ص
(ب) ليس س
إذاً ص
اشتقاق ص من (أ) و(ب)
ومن القواعد التكوينية والتحويلية يمكننا انشاء لغة كاملة من حيث العبارات، ولكن هذه الحدود لا تزال تنظر فقط الى المحتوى اللغوي نفسه لا الى مدلوله الخارجي فالعلاقة بين الجمل والمدلول شأن الدلالة والربط بين الجملة والقائل شأن التداولية وبذلك يكتمل البحث في منطق اللغة.
انواع العبارات عند كارناب:
١- عبارة شيئية (object-sentence) تتحدث عن شيء ما مباشرة اما عن خصائصه او علاقاته "الرقم ٤ عدد زوجي".
٢- عبارة لغويّة (logical-sentence) يسمّيها كارناب بالمنطقية لان اللغة المكوّنة هي لغة منطقيّة لكننا فضلنا ترجمتها الى اللغوية، وهي تلك التي تتحدث عن التعبير المستخدم لشيء ما لا الشيء ذاته "كلمة (قلم) مكوّنة من ثلاثة احرف".
٣- عبارة شيئية زائفة (pseudo-object sentence) تبدو وكأنها تتحدث عن شيء ما ولكنها في الواقع توهم بذلك، لانها تتحدث عن تعبيرات والفاظ.
يرى كارناب ان المشاكل الفلسفية المستعصية هي تلك التي تنتج من النوع الثالث من العبارات فهي توهمنا بالحديث عن الاشياء بينما هي تتحدث عن الفاظ فتسبب الحيرة والتخبط.
خذ مثالا على نقاش فلسفي عن العدد:
(١) "خمسة ليست شيئاً بل عدد"
(٢)"خمسة عدد فردي وليس زوجي"
الفرق بين الاولى والثانية ان الثانية تخبرنا عن صفة تخص العدد خمسة كفرد، فهي تخبرنا عن كونه زوجياً.
اما الاولى فهي لا تخبرنا عن صفة وإنما تتحدث عن فئات أي انها تقول "خمسة تنتمي لفئة الاعداد لا لفئة الاشياء" وما دمنا نتحدث عن فئات فإننا إذاً نتحدث عن ألفاظ لا عن أشياء لانه كما قلنا سابقاً الفئات هي اسماء وليست اشياء بذاتها فإننا بهذه الجملة نحدد استعمال الالفاظ للتعبير عن "خمسة" ولم نتحدث عن الشيء نفسه انما عن استعماله.
يميّز كارناب بين الاسلوب الشيئي في الحديث وهو ما نستعمله في حياتنا اليومية وبين الاسلوب المنطقي:
الاسلوب الشيئي: كلمة الليث تدل على الاسد.
الاسلوب المنطقي: كلمة "الليث" مرادفة لكلمة "الاسد".
حيث هنا نحن نتحدث عن ان لفظة "الليث" تنطبق على لفظة "الاسد" حيث الاسد المذكور ليس فرداً واحداً وإنما عبارة وصفية تستخدم للإشارة الى اوصاف معيّنة تنطبق على عدة افراد في العالم الحسيّ فنحن اذا لم نتحدث عن فرد "الاسد" بل عن اسم لكل الاسود عامة.
الاسلوب المنطقي يهدف الى توضيح هذه الفروقات المنطقية وإبرازها بشكل واضح لفهم اعمق لكل ما نقوله.
Comments
Post a Comment