مبدأ قابلية التكذيب - كارل بوبر
السياق التاريخي:
نشر فرانسيس بيكون كتابه “الاورغانون الجديد” عام ١٦٢٠، ويشير عنوان الكتاب الى عمل ارسطو “الاورغانون” وهي مجموعة كتب لمناهج واستدلالات ارسطو القياسية التي تبدأ من المقدمات الكلية لتستلزم نتائج جزئية دون العودة الى الحواس والتجربة.
وكان “الاورغانون الجديد” الضد لهذا تماماً حيث يعتمد بشكل كلي على الحواس والتجربة والانتقال من الحالات الخاصة الى الحالات العامة (القوانين الطبيعية) ممثلا روح العصر الحديث.
ومنذ ذلك الحين كان الاتجاه السائد في فلسفة العلم هو تبرير هذه المعرفة العلمية استنادا الى العلاقة بين النتائج التجريبية والنظرية العلمية، وترسخ الاتجاه نحو اعتبار النظرية العلمية مجرد تعميمات استقرائية (الاستقراء هو الانتقال من الحالات الخاصة الى العامة).
هكذا كان الاستقراء يميز العلم، اذا كانت العبارة تعميما لحوادث من الملاحظة التجريبية فلابد انها تخبر عن العالم وهي تبرير كاف لها.
مشكلة الاستقراء
يعتبر ديفد هيوم اول تهديد حقيقي لمبدأ الاستقراء ويمكن اختصار نقد هيوم كالاتي:
تكمن المشكلة في اننا نتوقع ان المستقبل سيماثل الماضي، ولأن الشمس اشرقت كل الايام السابقة فإنها ستشرق مجدداً غداً.
سيتوجب علينا لتبرير مبدأ الاستقراء استعمال الاستقراء نفسه مما يؤدي الى تقهقرات لا نهاية لها.
إن ما تثبته تساؤلات هيوم (العديد منها غير مذكور للاختصار) هو أن الاستقراء لا يمكن كقاعدة منطقية مستقلة ولا يمكن الاستدلال بها من التجربة او قواعد منطقية اخرى.
ظهرت في بداية القرن العشرين مدرسة فلسفية مكونة من علماء وفلاسفة تسمى “الوضعية المنطقية” اشتهرت بتطرفها التجريبي ونبذها للميتافيزيقا باعتبارها لغواً خالياً من المعنى.
يمكن تجسيد معيار الوضعيين المنطقيين بما قاله الفيلسوف البريطاني ألفريد آير: (تكون للعبارة معنى اذا كانت تحليلية او اذا كانت تركيبية ويمكن التحقق منها بالتجربة)
وبهذا المعيار تعتبر الميتافيزيقا لغواً لا معنى منه.
كان العديد منهم مناطقة من الطراز الاول لذلك استعملوا المنطق وسخروه لتقديم خدمات للمنهج التجريبي العلمي (الاستقرائي).
يجابه بوبر الاستقراء مواجهة لا هوادة فيها فينتزعها من جذورها ويؤكد دائما انها مجرد خرافة، ويوضح ان النظريات العلمية ليست بحاجة الى استقراء.
"من غير الواضح منطقياً إن كان صواباً ام لا استخلاص قضايا عامة من حالات خاصة مهما بلغ عددها"
"مهما بلغ عدد البجعات البيضاء التي رأيناها فإنه لا يسمح لنا بالقول إن كل البجع ابيض".
يقول بوبر ان الوضعية المنطقية مجرد امتداد للاستقراء ويتمثل بفلسفة فتغنشتاين:
كل قضية ذات معنى (عامة)، تعود منطقياً لقضايا أولية (خاصة) وهي صور للواقع.
ولكن باستعمالهم للاستقراء فانهم يقحمون العلوم التجريبية في الميتافيزيقا فالقوانين الطبيعية لا يمكن ان تعود منطقياً للحالات الخاصة.
لذلك حرص على ان يؤكد امكان نظرية علمية لا تحتاج للاستقراء باستعمال النسق المنطقية.
يقترح بوبر قابلية التكذيب كمعيار للحد الفاصل (بين العلوم التجريبية والميتافيزيقا) وليس قابلية التحقق.
لا يعتمد المعيار تمييز النظريات بشكل قاطع ويقيني.
ما يتطلبه المعيار هو ان تكون العبارة قابلة للتكذيب ويمكن التحقق من ذلك تجريبياً، "ستمطر السماء غداً" عبارة علمية لانها قابلة للتكذيب ويمكن التأكد من ذلك تجريبياً، "قد تمطر او لا تمطر السماء اليوم" عبارة غير علمية لانها لا يمكن ان تكذب.
القضايا الخاصة لا تستتبع قوانين عامة ولكن يمكن ان تتناقض معها حسب استتباعات منطقية.
تكون النظرية قابلة للتكذيب اذا قسمت فئة كل عباراتها الاساسية الى قسمين:
١-فئة العبارات التي تتسق مع النظرية
٢- فئة العبارات التي تتناقض مع النظرية(تكذبها)
كلما زادت القضايا في الفئة (٢) كلما أخبرتنا النظرية اكثر عن العالم، "يتجمد الماء عند درجة حرارة صفر س" إذاً تجمد الماء عند اي درجة حرارة اخرى ينتمي للفئة (٢) وهكذا.
كل من يقول انه لم يعد للعلم قضايا يمكن ان يراقبها ويتحقق منها وانه قاطع بشكل يقيني يخرج من لعبة العلم.
Comments
Post a Comment